الثقافة وبناء السلام: دروس من العراق وخارجه
11 مارس 2025 | 2 ظهراً هلسنكي و4 عصراً بغداد
في الحادي عشر من مارس عام 2025، استضاف مركز إيوانا للتفاهم الثقافي محادثة “مقهى كنفرسيشن” السادسة، وهي تجمع افتراضي ضم 23 مشاركًا من شبكة إيوانا في نقاش متعمق لمدة 90 دقيقة حول تقاطع الثقافة وبناء السلام. تحت عنوان “الثقافة وبناء السلام: دروس من العراق وما وراءه”، هدفت الجلسة إلى استكشاف كيف يؤثر التنوع الثقافي، والذاكرة، والسرديات التاريخية على عمليات المصالحة في مجتمعات ما بعد الصراع، وخاصة في العراق، مع امتداد الرؤى إلى سوريا وسياقات إقليمية أخرى.
دُعي المشاركون في المقهى لاستكشاف كيف يمكن للتنوع الثقافي أن يتحدى ويسهل عمليات المصالحة على حد سواء. أدارت الجلسة ديزيريه كوسترس، وشارك فيها كلا من: جوليا بيكهاردت، وشيفان فاضل، وعلي بخت التميمي، حيث قدم كل منهم وجهات نظر قيمة من مجالات الوساطة في السلام والعدالة الانتقالية والحوكمة في الشرق الأوسط.
ديناميات الثقافة وبناء السلام
افتتحت المحادثة باتفاق الجميع بأن الثقافة تلعب دورًا مزدوجًا في بيئات ما بعد الصراع: حيث يمكن أن تكون قوة مفرقة ولكنها أيضًا وسيلة للتعافي والتماسك الاجتماعي. لقد تعرض المشهد الثقافي في العراق، الذي تشكل عبر العصور من ألوان وأطياف متعددة، لتعطيل شديد بسبب الصراعات المختلفة خاصة في ظل حكم داعش. حيث أكد شيفان فاضل على الدمار الذي ألحقه داعش، مشيرا إلى أنه لم يتم فقدان القطع الأثرية الثقافية فحسب، بل ظلت مجتمعات بأكملها – مثل الإيزيديين – مهمشة سياسيًا واجتماعيًا. تواجه مثل هذه الجماعات وصمات عار ممنهجة وتسلب أي فرص حقيقية للحراك الاجتماعي أو العدالة أو التمثيل السياسي. على الرغم من بعض التقدم في إعادة بناء العلاقات بين الفئات المختلفة، أكد شيفان على أن آليات المساءلة لا تزال بعيدة المنال بالنسبة للعديد من الضحايا وأن الإرادة السياسية – خاصة من الحكومة الاتحادية العراقية – غير كافية لمعالجة العدالة الانتقالية أو مسألة التعويضات.
إحدى النقاط الهامة التي أثيرت خلال الجلسة هي الإنهاء الغير مبرر لعمل فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة (يونيتاد) لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب داعش، على الرغم من حقيقة أن العديد من المقابر الجماعية لا تزال غير مستخرجة وأن الناجين من الأسر، وخاصة النساء والفتيات، لا يزالون ينتظرون العدالة. وفقًا لشيفان، على الرغم من أن العراق يشهد حاليًا واحدة من أكثر الفترات استقرارًا في التاريخ الحديث، إلا أن العديد من القضايا التي لم تحل تهدد السلام على المدى البعيد. حيث اشار، انه يجب الاستفادة من هذا الاستقرار لحل المسائل المعلقة مثل النزوح، وإدارة المناطق المتنازع عليها، واستعادة الحقوق – لكن هذا يتطلب مشاركة حكومية حقيقية.
قدم علي بخت التميمي وجهة نظر أكثر انتقادية لما وُصف بأنه “سلام” في العراق، واصفًا إياه بدلاً من ذلك بأنه توازن هش مدعوم بمصالح النخب السياسية القوية وليس مصالحة حقيقية. وجادل بأن التنوع المجتمعي لم يتم تبنيه كقوة سياسية بل على العكس من ذلك تم تهميشه، مشيراً إلى أن عمليات المصالحة غالبًا ما حدثت بين مجموعات محددة، مثل النخب السياسية السنية والشيعية، دون إشراك الضحايا والمجتمعات المتضررة من الحروب. ونتيجة لذلك، اضطرت مجتمعات الأقليات في كثير من الأحيان إلى تشكيل جماعات مسلحة خاصة بها ردًا على الانهيار المؤسسي، مما أدى إلى عسكرة المشهد السياسي والاجتماعي.
دور الجهات الفاعلة الدولية
تم تقييم مشاركة الجهات الفاعلة الدولية، وخاصة المنظمات الأوروبية، بشكل نقدي. فبينما كان دعمها للسلام والمصالحة فعالاً، أثيرت مخاوف بشأن فرض روايات ما بعد الاستعمار وتقويض الجهود المحلية.
ساهمت جوليا بيكهاردت برؤى من عملها مع الجهات الفاعلة الدولية المشاركة في جهود بناء السلام، مؤكدة أن التدخل الدولي في بناء السلام يتعثر أحيانًا بسبب افتراضات خاطئة أو سوء التنفيذ. وحددت ثلاث قضايا رئيسية: أولاً، فرض سرديات الاستعمارية، حيث ينظر الفاعلون الغربيون إلى البلدان المضيفة على أنها غير مستقرة بطبيعتها وتحتاج إلى نماذج ديمقراطية غربية؛ ثانيًا، الافتقار إلى الكفاءة والاستمرارية ذات الصلة، حيث يتناوب الموظفون الدوليون مما يؤثر على بناء علاقات مستدامة؛ وثالثًا، إضعاف الفاعلية المجتمعية المحلية، حيث يصبح الفاعلون المحليون معتمدين على التمويل الأجنبي ويتعرضون لضغوط لتنفيذ أجندات خارجية.
دعت جوليا إلى اتباع نهج مختلف، يبدأ بالتواضع والاستماع إلى الاحتياجات المحلية. وأشارت أن جهود بناء السلام الدولية الناجحة يجب أن تعطي الأولوية لتعزيز القدرات المحلية ودعم الرؤى الوطنية. حيث يمكن للمنظمات الأوروبية، على سبيل المثال، أن تلعب دورًا بناءً من خلال تقديم ورش عمل تساعد الفاعلين المحليين على تأمين التمويل، وتسهيل تبادل المعرفي، وتعزيز نفوذ المنظمات غير الحكومية المحلية.
الإصلاح القانوني والمؤسسي
أكد النقاش على ضرورة القيام بإصلاحات القانونية لدعم التنوع الثقافي وضمان السلام المستدام. ودعا المشاركون الحكومة العراقية إلى الوفاء بواجبها في توفير الخدمات الأساسية والعدالة الانتقالية والمصالحة.
حذر علي بخت من مغبة إدراج الهويات الثقافية الفرعية في تعبيرات سياسية واحدة. لا يمكن تمثيل النسيج الثقافي المتنوع في العراق من خلال هياكل سياسية متجانسة. وبدلاً من ذلك، دعا إلى إصلاحات مؤسسية تعترف وتعكس هذا التنوع، مشيراً أنه يجب تطوير قوانين تستند إلى التعددية الثقافية بدلاً من قمعها، ويجب تمكين المجتمع المدني لتشكيل لهجة وطابع الدولة. وأشار إلى أن معظم برامج بناء السلام التي تنفذها المنظمات الدولية تبدو جيدة على الورق ولكنها تفتقر إلى تأثير حقيقي على أرض الواقع، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى فشلها في عكس السياق الثقافي أو إشراك المجتمعات بشكل هادف.
وأشار الحديث إلى دور المنظمات غير الحكومية والعواقب الغير مباشرة لتراجع الدولة عن الخدمات العامة. وأشار العديد من المشاركين إلى أنه في سياقات مثل العراق، غالبًا ما تدخلت المنظمات غير الحكومية لتقديم الخدمات الأساسية في غياب حكومي لسد فجوات خدمية، مما قد يخلق ما أسماه البعض “متلازمة الاعتماد”. وفي هذا السياق، يجب على الحكومة العراقية الاضطلاع بمسؤوليتها والتزامها بتقديم الخدمات الأساسية، بالإضافة لإنفاذ القوانين التي تدعم العدالة وتعويض الضحايا وتحمي الحقوق الثقافية.
يجب أن يكون نهج بناء السلام الشامل سياسيًا وثقافيًا على حد سواء – “بغية سياسية بمنظور ثقافي”، كما وصفه علي بخت ببراعة.
التفكير في بناء السلام بعد الثورة في سوريا
تم إدخال منظور مقارن من خلال تضمين دروس للمصالحة وإعادة الإعمار في سوريا. فبينما عانى كلاً من العراق وسوريا من عنف ونزوح شديدين، سلط المشاركون الضوء على الاختلافات الرئيسية بين البلدين الجارين. العراق، بعد أن عانى من تبعات الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 وعملية صياغة دستور عام 2005، طور أطرًا – على الرغم من أنها منقوصة – إلا أنها قدمت بعض الاعتراف القانوني بالتنوع. ومع ذلك، فإن أخطاء مثل اجتثاث حزب البعث المفاجئ، الذي فكك مؤسسات بأكملها بين عشية وضحاها، خلقت فراغات تنظيمية وأمنية دائمة.
من ناحية أخرى، وُصفت سوريا بأن لديها مجتمعًا مدنيًا أكثر قوة، حتى في ظل الحكم الاستبدادي. ولوحظ وجود لجان مصالحة ومبادرات بناء السلام ترتكز على الذاكرة والتعايش كمصدر للصمود. ومع ذلك، فإن الهيمنة الأيديولوجية للنظام والاحتكارات الثيوقراطية يمثل تحديات عميقة لبناء سلام شامل.
في كلتا الحالتين، اتفق المشاركون على ضرورة إعادة التفكير في العقد الاجتماعي. حيث يجب ألا يستند تصور الدولة إلى ثقافة أو طبقة مهيمنة فقط، بل يجب أن يعكس الفسيفساء الثقافية الغنية لشعبها، وأن تتحول الجهود أيضًا من فرضيات من أعلى إلى أسفل إلى عمليات يقودها المجتمع المحلي، مما يضمن ملكية حقيقية من قبل المجتمعات الأكثر تضررًا من الصراع.
الختام
اختتمت المحادثة بالتفكير في ما يجب أن يقوم به الفاعلون في بناء السلام – المحليون والدوليون – بشكل مختلف. من بين “الأفعال المستحسنة” في العراق، أشاد المشاركون بسرعة وشمولية العملية الدستورية المبكرة. ومن بين “الأفعال التي يجب تجنبها”، حذروا من مخاطر محو الذاكرة من قبل المؤسسة ومحاولة إعادة بناء الأمن وسلم من خلال الاعتماد على جماعات مسلحة . أخيرًا، أكد المتحدثون على أهمية تجاوز ما يفرق المجتمعات لإعادة اكتشاف ما يوحدها، ووجوب توسيع دوائر الحوار وبناء السلام الرقمية، وجعل الروايات أكثر شمولية لضمان سلام مستدام متجذر في العدالة، والاعتراف بالآخر، والاحترام الثقافي.
التوصيات الرئيسية
- احتضان التنوع الثقافي: الاعتراف بالهويات الثقافية وحمايتها باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من التماسك الوطني والسلام.
- تعزيز الملكية المحلية: دعم المبادرات المحلية وضمان أن تكون جهود بناء السلام مدفوعة بالمجتمعات التي تهدف إلى خدمتها.
- تعزيز الإصلاحات القانونية: سن قوانين ترسخ حقوق الأقليات، و تدعم التنوع الثقافي.
- تعزيز التعاون الدولي: تشجيع الجهات الفاعلة الدولية على تبني نهج متواضع ومنفتح، مع احترام السياقات والأولويات المحلية.
المتحدثون
- جوليا بيكهارت
جوليا لديها خبرة واسع في إدارة المشاريع مع تركيز قوي على بناء السلام والوساطة، تعمل حاليًا كمديرة مشروع لليمن في مؤسسة CMI-Martti Ahtisaari للسلام. شغلت جوليا سابقًا مناصب في forumZFD كمديرة مشروع / مستشارة سلام، حيث تضمنت مسؤولياتها إدارة مشاريع بناء السلام في العراق، وفي CARPO، حيث وضعت جوليا تصورًا لمبادرة الحوار الإيراني السعودي. تضمنت مسيرة جوليا المهنية المبكرة أدوارًا في swisspeace و Geneva Call ومؤسسات أكاديمية مختلفة، وإجراء البحوث وتيسير التدريب على حل النزاعات ومشاركة المجتمع المدني في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. حصلت جوليا على درجة البكالوريوس في العلوم العربية / الإسلامية والسياسة من جامعة مارتن لوثر هالي فيتنبرغ ودرجة الماجستير في دراسات الصراع والتنمية من معهد جنيف للدراسات العليا.
- شيفان فاضل
شيفان طالب دكتوراه في قسم العلوم السياسية بجامعة بوسطن، متخصص في السياسة المقارنة والعلاقات الدولية مع التركيز على الشرق الأوسط. يركز عمله على الحوكمة والعلاقات بين الدولة والمجتمع وديناميكيات السلام والصراع. على مدى العقد الماضي، تعاون مع العديد من المؤسسات المرموقة بما في ذلك الجامعة الأمريكية في العراق، ومعهد السليمانية للدراسات الإقليمية والدولية (2024)، ومعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (2020-2024)، ومعهد الولايات المتحدة للسلام (2019-2020)، وغيرها. أجرى مسوحات وعمل ميداني في جميع أنحاء العراق، وفحص تصورات التركيبة السكانية المتنوعة – بما في ذلك الأقليات الدينية والنازحين داخليًا والشباب – بشأن الحوكمة والمصالحة بعد الصراع وإعادة الإعمار. لمزيد من المعلومات: https://shivanfazil.com.
- علي بخت التميمي
يعمل علي في مجال العدالة الانتقالية والإصلاح المؤسسي والتشريعي وبناء المؤسسات. كما أنه متخصص في مجال الأنثروبولوجيا الثقافية، حيث حصل على درجة الدكتوراة في أنثروبولوجيا الذاكرة بأطروحته بعنوان: “الذاكرة والحقوق الثقافية”. شارك علي في العديد من الفعاليات والأنشطة، وقام بتأليف عدد من الكتب والبرامج التنموية والتدريبية، كما ساهم في وضع الاستراتيجيات والسياسات وحملات المناصرة الرامية إلى تعديل التشريعات في العراق لتتفق مع معايير حقوق الإنسان. وهو عضو مجلس إدارة مؤسسة إيوانا ورئيس منظمة افق للتنمية البشرية.
مضيفة الجلسة
مضيفة الجلسة: ديزيريه كوستيرس، مؤسسة إيوانا
