حيث تلتقي الثقافات: المدن ودورها كنقاط تقاطع
٢٧ مايو 2025 | ٣ ظهراً بروكسل (٩٠ دقيقة)
في 27 مايو، استضاف مؤسسة إيوانا للتفاهم الثقافي جلسة مقهى كنفرسيشن الثامن حول موضوع المدن كمساحات للتبادل والتعبير الثقافي. تناول الحوار كيف تُشكّلنا المدن، وكيف نُشكّل نحن المدن، مع التركيز، كعادتنا، على منطقة إيوانا (ايّ: أوروبا وغرب آسيا وشمال إفريقيا). متحدثي الحوار هند علي وعمرو علي، وأدارته ديزيريه كوسترز ولورا بنان-فيشر. وساهم المشاركون في الحوار في النقاش من خلال استطلاعات رأي منتيمتر.
ما الذي يجعل المدن جذابة للسكن فيها؟
بدأت مناقشة جلسة مقهى كنفرسيشن بسؤال بسيط، حيث طُلب من المشاركين مشاركة الصوت المفضل في مدينتهم. تضمنت الإجابات زقزقة الطيور، وصوت الشبشب في يوم دافئ، ومزيج الأصوات في الأماكن العامة كالمقاهي. وكان السؤال التالي للمشاركين عن المدينة التي ألهمتهم أكثر، وكانت الإجابات كالآتي: القاهرة وبروكسل.
بناءً على هذه التأملات الشخصية، تناول المتحدثون الجاذبية التاريخية والمعاصرة للمدن. لماذا الناس يأتون المدن؟ إلى جانب الفرص الاقتصادية، غالبًا ما تُصوَّر المدن كمواقع للإمكانيات، والخصوصية، والإبداع، وبناء مجتمعات جديدة، بالإضافة إلى إعادة اختراع الذات.
تحديات وفرص العيش في المدينة
سؤال آخر طُرح للمشاركين عبر المنتيمتر: “كيف تصف المدينة التي تعيش فيها بكلمة واحدة؟” وشملت الإجابات “متنوعة” للقاهرة و”مدفوعة بالسوق” للدار البيضاء.
تناولت هند، إحدى المتحدثات، ما يجعل الشخص أن يشعر إن المدينة وطنه او بيته – أو لا يجعله يشعر ذلك. وأكدت على طبقات الاختلاف المتعددة الموجودة في البيئات الحضرية: ليس ثقافيًا فحسب، بل اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا ومكانيًا. يمكن للمدن أن تجعل الإنسان يشعر بالغربة، لا سيما عندما تتسم بالفصل أو عدم تكافؤ فرص الوصول. وفي مداخلتها اشارت هند إلى بحثها وناقشت مفهوم “المواطنين غير المتساوين“، لا سيما بين سكان أحياء المجتمعات المغلقة/ الكومباوندات، وسكان المناطق العشوائية في القاهرة. هذا الاختلال في التوازن يُشكِّل تحديًا لشعور المواطنة المشتركة والانتماء.
استكشف عمرو كيف تؤثر المدن، وخاصة مدن المنفى، على تكوين الهوية. واستنادًا إلى تأملاته في برلين، وصف كيف تُشكّل مدن المنفى مساحاتٍ لإعادة التوجيه والتفاوض حول الهوية الاجتماعية للنازحين. برلين، على وجه الخصوص، تجذب المنفيين من العالم العربي ليس فقط لرخص أسعارها، بل أيضًا لسمعتها كمدينة عالمية للنشاط العابر للحدود الوطنية وإعادة الابتكار الثقافي.
هوية المدينة والعلامة التجارية تحدثون
دفعت هوية برلين العالمية نقاش المقهى إلى كيفية بناء المدن لهويتها. غالبًا ما تكون إنشاء هوية المدينة عمليةً تنازليةً (ايّ تطورها السلطات) تتجاهل احتياجات سكانها ورغباتهم اليومية. تناولت هند هذا الأمر في سياق مشاريع التنمية واسعة النطاق، مثل واجهة بلغراد البحرية ومسرح تيرانا الجديد. في هذه الحالات، تعارض التخطيط الحضري الحكومي مع مفاهيم الانتماء لدى مواطني المدينة. وكما وصفت هند، فتشكلت مجتمعات احتجاجية، غالبًا ما تكونت من أشخاص ما كانوا ليلتقوا لولا ذلك، وأصبح الفن، مثل مسرح الاحتجاج، محوريًا في هذه الحركات. وهذا بدوره شكّل مجتمعًا جديدًا يدور حول الهدف المشترك للاحتجاج.
تناول حديث مقهانا أيضاً مشروع (نيوم)، المدينة العملاقة المخطط لها في المملكة العربية السعودية، كمثال على بناء هوية للمدن. وأشارت هند، التي بحثت في هذا الموضوع، إلى أن نيوم تظهر كيف يُمكن ان يكون التخطيط الحضري بعيد عن السياسية ومساهمات المواطنين. في مثل هذه المشاريع، يجب أن نسأل: من يتخيل المدينة؟ ولمن؟
الاستهلاك والمدينة
انعطفت عملية بناء العلامات التجارية بشكل طبيعي نحو نقاش حول الاستهلاك. هل نستهلك المدينة أم تستهلكنا؟ انعكس هذا السؤال في وصف الدار البيضاء بأنها “مدينة سوقية”. ففي العديد من المدن (العالمية) أصبح التخطيط الحضري غير مسيسة (بل هو سوقي)، و اصبح المواطنون أنفسهم كيانات غير مسيسة تُقيّم من خلال إطار نيوليبرالي من حيث قيمتها وإنجازاتها. هنا، التكنولوجيا، التي وعدت يوماً ما بالتحرر، تمتدّ إلى كل ركن من أركان الحياة اليومية.
خلق المجتمع: الخيال ودور الثقافة
كان هناك شعور مشترك بين المشاركين في “المقهى” بأنه في ظل البيئة الحضرية التجارية/ التسويقية الحالية، أصبح التواصل العفوي بين السكان أكثر صعوبة، وأصبح من الصعب إيجاد أماكن عامة مجانية. لذا، تحدثنا في الجزء الأخير من جلسة مقهانا حول كيف يمكننا أن نتخيّل المدن التي نريد ان نعيش فيها.
من خلال إستمارة المنتيمتر، شارك المشاركون المساحات التي شعروا أنها تعزز التبادل، بما في ذلك الحدائق العامة، والأماكن الدينية، وأماكن التدخين، والمقاهي. وأشار أحد المشاركين إلى صعود تطبيقات غرامية كوسيلة حديثة لاستخدام التكنولوجيا لبناء العلاقات والمجتمعات، بدلاً من اللقاءات العشوائية و العفوية التي كانت أكثر محتملة في المدن في وقت ماضي.
يرتبط التحول في كيفية تواصلنا أيضاً بمقال عمرو علي “حيث ينتهي الكسكس“. يستكشف فيه كيف كثرة المعلومات الرقمية تحول دون من تجربة استكشاف المدن، و يقول بأن “فائض المعلومات” قد “أزال طابع السرد” عن منطقة البحر الأبيض المتوسط. ونتيجةً لذلك، غالبًا ما يعني السفر اليوم اتباع نصائح نجدها على مواقع سياحية، مما يُقلل من مساحة المفاجأة أو الاكتشاف الحقيقي. قد يُساعدنا استعادة الشعور بالدهشة والفضول على تقدير ما تُقدمه المدن من تفاعل إنساني وتبادل ثقافي.
قدّمت هند مثالًا قويًا على كيف يُمكن للفنون أيضاً مقاومة هذه السطحية. على سبيل المثال في صربيا، حيث استخدم المتظاهرون العروض المسرحية لمقاومة هدم المسرح الوطني – مُحوّلين الفن إلى نشاط. هذه العروض أعمال تحدٍّ وفي نفس الوقت كانت استعادة للفضاء العام، ولسرد قصص مختلفة، ولتأسيس مجتمعات جديدة.
وأخيرًا، ذكّرتنا هند بضرورة عدم اعتبار المدن مواقع الثقافة والتعبير الوحيدة. بل يجب أن تكون المناطق الريفية وغير الحضرية جزءًا من خطابنا حول التبادل والتفاهم الثقافي، وأن تتمتع بفرص متساوية في الحياة الفنية والمدنية والفكرية.
اختُتم جلسة مقهى كنفرسيشن هذه بتفاهم مشترك أنّ المدن تتجاوز مجرد بنية تحتية و بنايات وأسواق. إنها مواقعُ قصص، و(إعادة) تخيّل، وإمكانيات. سواءٌ في المنفى، أو في الاحتجاج، أو في المسرح، فالسكان يتخيلون المدن ويعيدون تخيلها باستمرار. مهمتنا هي ضمان أن يشمل هذا التخيلُ الجميع، عبر الجدران، المرئية وغير المرئية.
المتحدثون
عمرو علي
عمرو علي عالم اجتماع، ومحلل في شؤون الشرق الأوسط، وباحث في الشؤون العامة، ومستشار اليونسكو للمنطقة العربية. هو يستكشف في الحداثة المتشظية والوضع الإنساني في العالم العربي، ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، وفضاءات الشتات. سواءً بتحليل فشل الانتفاضات العربية أو صراعات الجاليات المنفية الهادئة الصامتة في برلين، يتتبع عمرو علي التيارات السُلفية الكامنة وراء الأزمات، وكيف يتحمل البشر ويعيدون تصور الحياة في ظلّ الاضطرابات الحديثة. حصل على درجة الدكتوراه من جامعة سيدني، متخصصًا في علم الاجتماع السياسي والفلسفة السياسية. يمكن الاطلاع على أعماله على الموقع الإلكتروني www.amroali.com.
هند علي
هند علي زميلة دكتوراه في مجلس البحوث الاقتصادية والاجتماعية، وتعمل في كلية لندن الجامعية بالمملكة المتحدة. تشغل حاليًا منصب مساعدة تحرير مجلة “بيرغان” للهجرة والمجتمع. شغلت هند مناصب مختلفة في مؤسسات التنمية الدولية والمؤسسات الأكاديمية، بما في ذلك جامعة كامبريدج والأمم المتحدة. يركز بحثها للدكتوراه على التجارب المعاشة للاختلاف وعدم المساواة في سياق حضري متنوع. وقد نشرت سابقًا حول عدم المساواة الحضرية والمواطنة، والحضرية النيوليبرالية، والاستبداد، والحوكمة الحضرية، والنشاط الحضري. يغطي بحثها عدة مدن، بما في ذلك القاهرة، وبروكسل، ومدريد، وبلغراد، وتيرانا، والمدن الجديدة، تحديدًا نيوم.
مضيفتي الجلسة
ديزيريه كوستيرس و لورا بنان-فيشر، مؤسسة إيوانا
