الفن هو تلك الموجة الساكنة بداخل كل نفس بشرية : مقابلة مع الفنان ايهم جبر

أيهم جبر، فنان كولاج سريالي ومحرر ومصور فيديو ومصمم جرافيك من سوريا مقيم في دمشق، يشارك أفكاره حول الفن لمركز إيوانا للتفاهم الثقافي – مقابلة أجريت عبر ايميل باللغة العربية.
بداية، هل يمكنك أن تحدثنا عن نفسك وعن فنك وماذا يعني لك الفن؟
قبل كل شيء، أريد أن أشكرك لإجراء هذه المقابلة وتحياتي لأعضاء مركز إيوانا ولقارئين هذه السطور
بالمختصر عن نفسي… أنا أيهم جبر من سورية الماضي وسورية الحاضر، أنحدر من عائلة فنية عريقة في مجال التلفزيون والدراما العربية.
مجال عملي الرئيسي هو التصميم الإعلاني والتصوير الفوتوغرافي والفيديوغرافي والمونتاج (التحرير المرئي). لذلك فن الكولاج بالنسبة لي كان عبارة عن بحث تعبيري أو محاولة فنية تعبيرية.
بعض الأعمال يمكن أن تكون كما نقول عشوائية المعنى، والكثير من الأعمال تتحدث عن فكرة او أفكار أو تخيلات أو حتى تمرد على الواقع مثل مشروع “ممارسة الصحو” الذي هو أيضا إهداء مني للفنان كولز فيليبس و “سفر التكوين 27-1” و “دمشق تحت الحصار” و “راجاز- خيال البدو” الخ.
أعتقد أن الفن هو تلك الموجة الساكنة بداخل كل نفس بشرية التي تبدأ بالإهتزاز بفعل فاعل.
مثال على ذلك لاعب كرة القدم البرازيلي “رونالدينيو” مجرد مشاهدته يتلاعب بالكرة بين قدميه على أرض الملعب ستشعر بتلك الموجة بداخلك. الشاعر نزار قباني بمفرداته وكلماته فقط. الكاتب سعد الله ونوس.
الفن ليس حكر للموسيقى والرسم.
هل يمكنك أن تصف لنا، كفنان يعيش في دمشق، سوريا، يوم في حياتك؟
الآن في عام 2023 من يعيش داخل سورية هم المكافحين للاستمرار بالحياة. وانا لست باختلاف عن الجميع حتى لو كان عملي بالفن فهناك التضخم الاقتصادي المنهك للشعب والدولة، هناك الحصار الاقتصادي الغربي اللاإنساني المفروض على الشعب، العجز الإداري، والأحداث المؤسفة التي تحدث كل يوم في منطقتنا العربية مثل اخواننا في فلسطين المحتلة وما يحدث الآن من أحداث مؤسفة في قطاع غزة من قبل المحتل.
جميع هذه العناوين وغيرها الكثير سيؤثر حتما بحياتنا. لا أعتقد أن عشقي لعزف الجيتار او محاولاتي اليومية لإنهاء نص سيناريو لفيلم او عمل درامي أو إدماني للقراءة ومشاهدة الأفلام والمسلسلات هما أشياء مثيرة للاهتمام لأي قارئ فهناك أبرياء تقصف كل ساعة في كل يوم في مكان ما لابد من فعل شيء ما لإيقاف كل هذا الجنون.
كولاجات أيهم جبر
لديك مجموعة مذهلة ورائعة من الأعمال الفنية، تحمل عناوين مثل “دمشق تحت الحصار” و”تناغم الحياة” و”الحلم الرجعي”. تعطي بعض أعمالك إحساساً غريباً بالديستوبيا، بينما يبدو البعض الآخر وكأنه يعبر عن الفرح والأمل. بعضها تصور أحداثاً دنيوية وعادية تصبح مميزة في محيطها السريالي، بينما يربط البعض الآخر سريالية الخيال بسريالية الحرب والدمار.
كيف اخترتَ تقنية الكولاج لصنع الفن؟
في عام 2016 كما أذكر وكانت الحرب الأهلية بالوكالة على أشدها وخاصة في المناطق القريبة من مكان سكني مع عائلتي. حجر منزلي يبدأ من المساء لفجر اليوم التالي. قصف من قبل المتطرفين وقصف مقابل من الجيش السوري ونحن في المنتصف.
لذلك كان بقائي في المنزل لفترات طويلة دافعا للمحاولة بالانشغال بشيء ما عن الحرب فكان اختياري لتقنية الكولاج مناسبا وخاصة أنني أملك الكثير من نسخ مجلة ناشيونال جيوغرافيك بعضها يعود الأعوام السبعين.
العديد من أعمالك كولاجاتك تضع العالم أو الأرض في محيط الفضاء الخارجي، أو تجلب الفضاء الخارجي إلى العالم. هل ممكن تشارك القصة التي ترويها من خلال الجمع بين هذين العالمين الخارجي والأرضي؟
هذا صحيح هناك دائما حدث ما إما على الأرض أو في الفضاء أو الاثنان معا. هذا التأمل في الكون وسحره للعين البشرية هو موجود منذ الأزل لكنه بلا معنى للأسف. لا أقول هنا أنه موضوع غير مهم بالعكس هو مهم للتقدم الفكري والمعرفي.
في كولاجاتك تقوم أيضاً بالجمع بين مراجع ثقافية ومشاهد من عالم غرب آسيا، وسوريا على وجه الخصوص، ومراجع ثقافية ومشاهد من أجزاء أخرى من العالم، مثل أفريقيا والغرب. هل يمكن أن تحدثنا عن فكرة الجمع بين هذه المراجع الثقافية المختلفة؟
التحول من النظر للأعلى إلى النظر أفقيا. أتمنى يوما ما أن أقوم بفحص الدِنا (DNA) خاصتي أريد أن أعلم كم الأعراق التي أنتمي لها… نحنا كلنا مرتبطين بشكل أو بآخر.









افلام ايهم جبر
لقد أخرجتَ العديد من الأفلام، منها: “إناء“، و”إطار“، و”الشاعر والبجعة“، و”العدوى“. تم ترشيح هذا الفيلم الأخير لجائزتين.
كيف حدث انك اصبحت تحرج أفلام وكيف هي صناعة الأفلام في دمشق؟
أؤمن أن هذا هو هدفي وشغفي في الحياة، صناعة الفكرة وأحرر ما كتبته وصورته.
عند قراري بمحاولة الدمج بين المجالات المهنية التي هي من اختصاصي من التصوير والتحرير والتصميم المرئي، كان الاختصاص الوحيد الذي ينقصني هو كتابة النصوص. فوسائل تعبيري كانت صورية أكثر مما هي كتابية أو استخدام الحروف.
لذلك أشكر الشبكة العنكبوتية لاحتوائها عدد هائل من كتب (الكتابة الإبداعية) التي من المستحيل الحصول عليها بشكل ورقي. ثم بدأت القصة.
صناعة الفن في سورية بشكل عام هي حالة فردية أكثر مما هي مؤسساتية، وهذا الشيء الصحيح والطبيعي أعتقد. وكل الفن… فن. لست هنا للتقييم فالفن لا يقيم، وبما أننا شعب منفتح على جميع العالم فهناك تنوع غني للفن والفنانين.
في معظم أفلامك تدور أحداث الفيلم في مساحة محصورة لغرفة. كيف ترى دور الفضاء/ المكان في أفلامك؟
المسبب الرئيسي لاختياري أصعب وسيلة للتعبير الدرامي من خلال مساحة واحدة أو غرفة واحدة هو طبعا ميزانية العمل المادية التي بشكل أو بأخر تجبر أي كاتب نص على التقيد بها.
أريد أن أخبرك عن قصة، وهي قصة حقيقية حدثت في دمشق، عن امرأة كانت تقوم بجمع القمامة التي تتكدس في بالقريب من منزلها وتعيد بهم لمنزلها. وقد كانت ملتزمة بهذا الفعل طوال سنين حتى بعد أن احترق منزلها بسبب أكياس النايلون وأشياء أخرى مجهولة. هذه الامرأة كانت ملهمة لي لأكتب عنها فيلم بعنوان (الأعقاب). كما نرى أن الحدث بكل أركانه هو بين جدران منزل لامرأة وحيدة.
“الشاعر والبجعة” هو فيلم سريالي يشبه الحلم تدور أحداثه في عالم ما بعد ثورة سوداء، فيه ممنوع التفكير والشعور. الفيلم يجعل المشاهد يفكر في العلاقة بين الواقع والخيال. وفي فيلمك “إناء” نرى فنان حرفي يصنع منحوتات خشبية، بينما نسمع في الخلفية فنانين مختلفين يتحدثون، من بين أمور أخرى، عن معنى أن تكون فناناً.
ما هو بالنسبة لك دور الفنان وماذا يعني أن تكون فنانًا؟
أعتقد أن دور الفنان هو تحويل أي شيء يقوم به من شيء اعتيادي إلى متعة لعين الناظر مهما كانت مهنته او ما يقوم به من عمل. لذا الفن يدخل في جميع المهن حتي الهندسة فهناك المهندسة الفنانة زها حديد على سبيل المثال.
فيلمك القصير “إطار” يبدأ بالجملة التالية:
رؤية الأشياء من خلال العديد من الإطارات
يمّكنك منظوراً أوسع، وقدرة على فهم المزيد
من طريقة تفكير الآخرين،
فالكثير من هذه الإطارات صحيح وشرعي …
هل يمكنك توضيح هذه الفكرة؟
هل سأكون وقحا إن قلت أنني أرى بالمناضل (تشي جيفارا) أنه أيضا من المرتزقة الإرهابيين المسلحين؟
الإطاران صحيحان بالطبع. لا أقصد الإهانة طبعا لمحبين تشي ولكن رؤية الأشياء من خلال العديد من الإطارات يمنحنا منظورا أوسع بالطبع.
هل تعتقد أن للفن دور في تنمية أو تعزيز التفاهم الثقافي بين الناس من مختلف الثقافات والبلدان؟
لنتحدث إذا عن الدراما التركية المدبلجة للغة السورية. هل عالجت الأزمة التي تعيشها سورية؟ أو هل استطاع الشعب التركي تغيير سياسة حكومته تجاه سورية؟ وتركيا سبب رئيس بإشعال حربها واستمرارها. وهناك نيتفلكس التي اعتمدت الدبلجة باللغة السورية وهي كمؤسسة ممنوع عليها أن تقدم خدماتها في سورية أو حتى إنشاء حساب مستخدم عليها من داخل سورية. الواقع مازال كما هو بالرغم من كل أشكال الفن.
هناك استخدام واستغلال للثقافات والبلدان عن طريق الفن ليس لهدف التنمية بل للمصلحة والفائدة الشخصية.
يُظهر فيلمك “العدوى” مزيجاً رائعاً من المسرح والرقص وإخراج الأفلام. هل يمكنك أن تخبرنا المزيد عن هذا الفيلم، وكيف خرج إلى حيز الوجود، وكيف كان العمل مع ممثلين آخرين؟
الدمج بين عوالم الفن هو اهتمام كبير في داخلي، هناك المسرح وهناك السينما والدمج بينهما كان شيء مثير بالنسبة لي. لذا كان ترشيح الفيلم لجائزة أفضل عمل جديد في مهرجان كليماكس في إسبانيا في العام 2022، بالإضافة إلى ترشيحها لجائزة أفضل دراما في مهرجان الفيلم البديل (ALTFF) في كندا في نفس العام، شيء مشرف بالنسبة لكل فريق العمل.
العمل مع فنانين آخرين وفي مجالات مختلفة لتحقيق هدف واحد وهو خدمة العمل الذي نقوم به هو أفضل تجربة بالنسبة لي على كافة الأصعدة.
كسؤال أخير، هل هناك أي شيء تود مشاركته مع قارئ هذه المقابلة؟
في الحقيقة نعم. من فترة قصيرة انتهيت من قراءته كتاب (عن الذاكرة والموت) وخاصة قسم (رحلة في مجاهل موت عابر)
للكاتب سعد الله ونوس… أتمنى من الجميع قرائته.
شكراً أيهم، على مشاركة أعمالك الفنية وأفكارك.
شكرا لك ولكل هذه الأسئلة التي نقلتني من واقع صامت بفعل السياسة لعالم صاخب وممتع بفعل العقل.
يمكنكم أن تجدوا مزيد من المعلومات حول أيهم جبر على موقعه، ومتابعه على الانستغرام: @ayhamjabr أو التواصل معه عبر البريد الإلكتروني: ayhamjabr[at]gmail.com
