الخيال العلمي: تخيل المستقبل من خلال الأدب

الخيال العلمي: تخيل المستقبل من خلال الأدب

مؤسسة إيوانا للتفاهم الثقافي

يسمح لنا الخيال العلمي بتشكيل وتخيل مستقبلنا من خلال الأدب، حيث تدور القصص في عالم مغاير يتجاوز حدود التجربة الإنسانية العادية. ويمكنه معالجة الأسئلة الفلسفية حول ما يعنيه أن تكون إنسانًا سواء كفرد، كمجتمع، ككائن ديني مرتبط بالبيئة والتكنولوجيا. لهذا السبب، فهو أحد أكثر الأنواع الأدبية إثارة للاهتمام لاستكشاف كيف يمكن أن يبدو مستقبلنا.

في الثاني عشر من مايو 2024، نظم فريق مؤسسة إيوانا بالتعاون مع معهد نيمار الهولندي، وفي سياق معرض الكتاب بالرباط 2024،  جلسة نقاش جمعت بين كاتبين من المغرب وهولندا للتفكير في الخيال العلمي في كلا البلدين. تركز النقاش حول العلاقة بين السياق الأدبي الثقافي، مثل دور الحكايات الشعبية والتراث الأدبي الآخر في كتابة الخيال العلمي، ولكن أيضًا على ما يميز كتابة هذا النوع، و”قابلية ترجمة” الخيال العلمي. سير النقاش باللغتين العربية والإنجليزية، وأدارها كلا من ديزيريه كوسترز وياسين عدنان. وكان المؤلفان المدعوين هما مصطفى لغتيري وماكس أوراي.

فيما يلي ملخص مقابلة مع المؤلفين حول كتابة الخيال التأملي.

كيف تعرف روايات الخيال العلمي؟

مصطفى لغتيري: روايات الخيال العلمي صنف أصيل ينتمي إلى جنس الكتابة الروائية، بل يمكن اعتباره من أعمق الكتابات الروائية عموما، لسبب بسيط وهو اعتماده شبه الكلي على الخيال. ورغم توظيفه للحقائق العلمية، والتطورات التكنولوجية، والكتابة الروائية -كما هو معروف- لا يستقيم عودها بدون الخيال. إن كاتب روايات الخيال العلمي ملزم بالتسلح بالنظريات العلمية  والفيزيائية والتكنولوجية وحتى النظريات الفلسفية أحيانا، إذ أنه  يقدم مادته العلمية بطريقة أدبية بارتباط مع القيم الإنسانية. هذه الأخيرة التي تحكم الإنسان وتوجهاته في علاقته مع نفسه ومع الآخرين، من خلال التركيز على الثابت والمتحول فيها، حتى يكون الاستشراف للمستقبل كاملاً ومتكاملة إلى حد ما.

ماكس أوراي: كلما قرأت المزيد من الخيال العلمي، بدا الأمر أقل حكمة أو حتى احتمالية تقديم تعريف صارم لهذا النوع. ما هي الجملة الوحيدة التي يمكن أن تصف “فرانكشتاين”، “وكلمة العالم هي غابة”، و”معرض الفظائع”، و”دليل المسافر إلى المجرة” في ضربة واحدة؟ لذا فإن إجابتي المختصرة على السؤال هي: لن أفعل.
الشيء الوحيد الذي يمكنني التحدث عنه هو ما يعنيه هذا النوع بالنسبة لي وكتابتي. وفي هذا الصدد، هنالك شيئان يجذبانني إلى الخيال العلمي. ما هي تلك الأشياء، لا أعرف. يمكنك تسميتها بالتقاليد الأدبية والطاقات الخيالية. تعجبني (نيران المخيمات) التي كتبها سكوت ماكلاود: الأماكن التي يتجمع فيها الناس للتدفئة. هناك أشياء كثيرة في هذا النوع لا تقترب حتى مما يمكن   أن أصفه. لكن هذه هي الأشياء التي تعني الكثير بالنسبة لي.
أول تلك (النيران) هو أمر حرفي للغاية: الخيال العلمي باعتباره خيالًا عن العلم. حول العملية والأشخاص المشاركين فيها. الأجزاء الجيدة والأجزاء السيئة. هذه قصص عن الفضول، في الأساس، والرغبة في معرفة كيفية عمل شيء ما وماذا سيحدث في موقف معين. في أغلب الأحيان، يكون العلم المعني هو الفيزياء، أو أحد فروعها: الهندسة، وعلم الفلك، ودفع الصواريخ. لكن شيئًا واحدًا تعلمته من أورسولا لو جوين هو أنه من الممكن أيضًا كتابة الأنثروبولوجيا التأملية وعلم النفس وعلم الاجتماع. الكتابة عن شيء غير موجود، ولكن من الممكن أن يكون هناك. أنا أحب القيام بذلك.
الثاني تلك (النيران) مختلفة تمامًا عن الأولى. حيث يكون الأول حديثًا جدًا، فهذه النار الثانية هي التي تريد إبقاء شعلة رواية القصص ما قبل الحداثة حية. تولكين هو المثال الأكثر وضوحًا هنا – الرجل الذي أراد أن يجلب الإحساس المحدد بملاحم العصور الوسطى إلى جمهور جديد. وبالمثل، فإن الكثير من الخيال العلمي الذي أحبه يتطلع عمدًا إلى أشكال ما قبل الحداثة للإلهام. حكايات خرافية، قصص الحيوانات، والأساطير. ما يعجبني في هذا المخيم هو أنه يتحدى فكرة أن لب القصة هو إنسان واحد وعواطفه (أي التصور الأساسي لمعظم الروايات) بل إنه أوسع وأعظم.

كيف رأيت تطور الخيال العلمي كنوع أدبي في السياق المغربي؟

مصطفى لغتيري: يلاحظ للأسف عدم اهتمام الكتاب المغاربة العرب بهذا النوع الأدبي من الكتابة، شأنها في ذلك شأن بعض أنواع الكتابة الروائية الأخرى، التي تفتقر إليها المكتبة العربية كالرواية البوليسية مثلا، مما يجعل المتن الروائي العربي فقيرا في هذا الجانب، وبالتالي يسم المخيال العربي بالنقصان. عكس ما يميز الخيال الروائي عالميا من تنوع وعمق وتعدد في مجالات الكتابة الخيالية. وقد يرجع ذلك إلى أسباب عدة، أظن  أن من بينها  عدم تقدير هذا النوع من الكتابة، بالإضافة إلى تخلُف العرب في مجال البحث العلمي، الذي يعد الركيزة الثانية للكتابة ضمن روايات الخيال العلمي. إذ لا يخفى على أحد أن كاتب روايات الخيال العلمي ملزم بالتسلح بالنظريات العلمية والفيزيائية والتكنولوجية وحتى النظريات الفلسفية أحيانا. إذ أنه لا يقدم مادته العلمية بطريقة أدبية بعيدا عن القيم، هذه الأخيرة، التي تحكم الإنسان وتوجهاته في علاقته مع نفسه ومع الآخرين من خلال التركيز على الثابت والمتحول فيها، حتى يكون استشراف المستقبل كاملاً ومتكاملاً إلى حد ما. فالأدب عموما يعد انشغاله الأساسي، حتى وإن لم يصرح بذلك أو حاد عنه بشكل من الأشكال. 

كيف رأيت تطور الخيال العلمي كنوع أدبي في السياق الهولندي؟

ماكس أوراي: بقدر ما أستطيع أن أقول، لم يتطور الخيال العلمي بشكل ملموس في هولندا. يبدو أنه في كل جيل، يستلهم بعض الكتاب الإلهام من الكتب الأجنبية (عادةً باللغة الإنجليزية) ويحاولون جلب هذا النوع إلى البلدان المنخفضة. حتى لو كان الكثير من الناس يكتبون خيالًا علميًا، فلا يمكنكم حقًا القول بوجود مشهد خيال علمي، حيث يقرأ الناس أعمال بعضهم البعض ويتفاعلون معها. لا أعتقد أنه يوجد شيء اسمه قصة خيال علمي هولندية بشكل عام. الجانب الإيجابي من هذا هو أن معظم روايات الخيال العلمي الهولندية تختلف تمامًا عن بعضها البعض، لأنه يتعين على الكاتب أن يجد طريقته الفردية في هذا النوع.
وإجابة على، لماذا لم ينطلق الخيال العلمي في هولندا مطلقًا، فلا أعرف. لدينا عدد لا بأس به من الجامعات، والعديد من الفائزين بجائزة نوبل، ولدينا هياكل هائلة لإبعاد البحر. لقد أنشأنا محافظة جديدة بالكامل بهذه الطريقة، وهو مشروع يبدو خيالًا علميًا للغاية. يبدو أن التهديد المتمثل في تغير المناخ يجلب نوعًا جديدًا من الاهتمام بالخيال العلمي. يبدو أن الكتاب يدركون أن عالمنا لن يبدو دائمًا كما هو الآن.

ما الذي ألهمك لكتابة الخيال العلمي؟ ما هي المجازات الأدبية/التراثية التي تستلهمها في كتابتك؟ وما هي تحديات كتابة الخيال العلمي؟

مصطفى لغتيري: في رواية “أمومة لم تكتمل” التي صدرت طبعتها الأولى عن دار “المثقفون العربي”  بالقاهرة، وطبعتها الثانية في المغرب، ألهمتني بعض المستجدات العلمية والتكنولوجية الحديثة، وخاصة الإلكترونية منها وتكنولوجيا الاتصال الحديثة. فحاولت من خلالها استشراف العالم بعد مائة عام تقريبا، خاصة على مستوى التطور التكنولوجي ومدى تأثيره على القيم في مجتمع متحول يتميز بالقدرة الهائلة على التواصل واختلاط الأجناس التي تميل نحو التعايش حين والصراع أحيانا كثيرة. إذ أن المكان الذي تجري فيه الأحداث عبارة عن جزيرة وسط البحر الأبيض المتوسط، يشتريها الصينيون ويؤمها أُناس من كل الجنسيات، لأنها أضحت جنة إليكترونية، تغري الشغوفين بالتكنولوجيا للقدوم إليها والعيش فيها، يحركها الطموح لبناء حياة جديدة، تكاد تنسلخ عن كل ما هو قديم، وتتطلع بشغف نحو المستقبل، الذي يعد عماده الأساسي التطور الالكتروني والتكنولوجي. وبعد أن يمس جوانب في الحياة لم تكن تخطر على بال، خاصة في جزيرة، بنيت الحياة فيها على أساس التطور وقيادة العالم نحو أفق علمي وتكنولوجي والكتروني أرحب. وتقدم الرواية أسرة تتكون من زوجة مغربية وزوج إسباني يتبنيان روبوت صيني، يصاب بعطل، فيتوجهان به نحو ألمانيا لإصلاحه أو معالجته، كما تدعي الام لأنها تعتبره ابنا حقيقيا، وتحاول الرواية تصوير الصراع العالمي من أجل كسب السبق في التكنولوجيا والتطور العلمي، قدمت ذلك بلمسة إنسانية يتطلبها العمل الروائي عموما.

ماكس أوراي: أول ما ألهمني هو أن الخيال العلمي ممتع للغاية. فلا وجود مثلاً لقاذف الطيران في الروايات الاجتماعية. بالإضافة إلى ذلك: في الخيال العلمي، لا يمكن لأحد أن يخبرك أن القصة “غير واقعية”. إنه يعمل على مستوى آخر تمامًا، وهو ما أحبه كثيرًا.
مصدر إلهام آخر لكتابة الخيال العلمي كان سياسيًا. لقد كنت أكتب قصصًا عن السياسة منذ سنوات، لكنني دائمًا ما كنت أصطدم بجدران الواقعية. في الخيال العلمي، من الممكن التفكير في هياكل سياسية مختلفة تمامًا، والتي أجدها أكثر إثارة وأكثر قوة.
التحدي الأكبر في كتابة الخيال العلمي هو أنه يتعين عليك اختلاق كل شيء بنفسك. لا يوجد غش بمجرد النظر إلى الواقع. إذا كنت أرغب في إنشاء مجتمع يمتلك فيه الناس عجلات بدلاً من أقدام، فيجب أن أفكر في كيفية تأثير ذلك على كل جزء من حياة الإنسان.
التحدي الآخر هو اللغوي. عليك أن تكون حذرًا جدًا في استخدام الاستعارات والعبارات المنمقة، لأن القارئ  قد لا يعرف كيف يبدو هذا العالم. لنفترض أنني أريد أن أصف عاصفة برد، وأكتب: “لقد هطل الرصاص”. في الرواية الواقعية، سيفهم القارئ أن هذا لن يحدث حرفيًا أبدًا، لذلك يمكنه أن يرى أنه يجب أن يكون مجازيًا. ولكن في رواية الخيال العلمي، يمكن أن تمطر أي شيء. بالإضافة إلى ذلك: عليك أن تفكر بعناية شديدة في كيفية تقديم عالمك الجديد الغريب للقارئ. تتطلب الحرية الهائلة الكثير من الانضباط في المقابل.

هل تعتقد أن هذا النوع الأدبي يمكن ترجمته بسهولة / هل هو أدب عابر للثقافات؟ هل هناك مزايا في استخدام الخيال العلمي في سياق متعدد الثقافات؟

مصطفى لغتيري: طبعا تسهل ترجمة كتابات الخيال العلمي بالمقارنة مع باقي الكتابات الاخرى، بشرط التعرف على الخلفية الثقافية التي تصدر عنها، اقصد الثقافة المحلية للكاتب. والسهولة تأتى من أن  روايات الخيال العلمي غالبا ما توظف لغة موضوعية واضحة. تسعى إلى تقديم الفكرة بما يقرب من الكتابة المقالية التي تتسم بالدقة والوضوح، لكن يبقى عموما ان الترجمة تؤثر على النص المترجم لذا قيل إن الترجمة خيانة للنص.
لاستخدام الخيال العلمي مزايا متعددة في سياق متعدد الثقافات، لأن ذلك يقرب الشعوب من بعضها عبر التعريف بعمقها الثقافي والتخييلي، كما انها توحد هدفهم نحو أفق إنساني واحد يسعى إلى خدمة الإنسانية جمعاء عبر حثها على بناء مستقبل أكثر ازدهارا اعتمادا على التخييل والتقنية والتطور العلمي الذي يراعي سلامة البيئة والحفاظ على الموارد الحيوية للأجيال القادمة.

ماكس أوراي: للسبب أعلاه: نعم، لقد وجدت أن ترجمة الخيال العلمي عادة ما تكون أسهل من العديد من أشكال الخيال الأخرى. الميزة الكبرى لقراءة الخيال العلمي المترجم هي أنها تتغلب على مشكلة التمثيل. عندما تقرأ عن بلد آخر، قد يكون من الصعب جدًا تحليل ما هي المعلومات الحقيقية عن مكان وثقافة ما، وما هو مجرد شيء توصل إليه الكاتب. يتغلب الخيال العلمي والأدب التأملي على ذلك من خلال الإعلان منذ البداية أن كل شيء مختلق. أنت تنظر فقط إلى خيال شخص واحد.

المؤلفان

يحمل الكاتب المغربي مصطفى لغتيري (1965) العديد من العناوين، من بينها، مؤخرًا، رواية خيال علمي بعنوان “أمومة لم تكتمل”، 2023. تدور أحداث هذه الرواية في عام 2098 على جزيرة تم تغييرها تكنولوجيًا في وسط البحر الأبيض المتوسط ​​حيث يعيش الزوجان المغربيان الإسبانيان ريم ورافائيل. تريد ريم أن تكون أمًا، لكنها غير قادرة على ذلك وتتبني روبوتًا لتربيه كإبن لها. لكن رافائيل يشك في أن هذا الروبوت جاسوس للحكومة الصينية التي لها دور مؤثر في الجزيرة. ونتيجة لذلك، يأخذان الروبوت إلى ألمانيا لتثبيت برنامج مضاد للتجسس.
أن التقدم التكنولوجي قد يكون إيجابي وسلبي على حد سواء، ويُستخدم لاستكشاف عناصر الحالة الإنسانية، مثل موضوع الأمومة.

مصطفى لغتيري، فيسبوك: https://www.facebook.com/mustapha.laghtiri/

ماكس أوراي (1991) هو مؤلف هولندي يدرّس الكتابة الإبداعية، من بين كتابات الخيال العلمي الأخرى. وقد نشر العديد من المقالات والقصص في المجلات الأدبية باللغة الهولندية، والتي تم ترشيحه من خلالها للعديد من الجوائز المرموقة. يعمل ماكس حاليًا على روايته الأولى، Overal en nergens (في كل مكان ولا مكان)، والتي تصور مجموعة من الأشخاص الذين يعيشون في عالم متصل بمراكز التسوق، ايّ المولات. تعِد هذه الرواية، بمجرد نشرها، باستكشاف ما يصنع المجتمع وما يكسره، وبدغدغة خيالنا حول كيفية تشكيل مجتمع يُعاد بناؤه من الصفر: هل سننتهي بنفس التوترات و القضايا الاجتماعي والسياسي، أم يمكننا تجاوزها؟

ماكس أوراي، البريد الإلكتروني: maxurai1991@gmail.com

هذا كل شيء في الوقت الحالي! نأمل أن تنضموا إلى فعالياتنا في المستقبل!

الفن هو تلك الموجة الساكنة بداخل كل نفس بشرية : مقابلة مع الفنان ايهم جبر

الفن هو تلك الموجة الساكنة بداخل كل نفس بشرية : مقابلة مع الفنان ايهم جبر

أيهم جبر، فنان كولاج سريالي ومحرر ومصور فيديو ومصمم جرافيك من سوريا مقيم في دمشق، يشارك أفكاره حول الفن لمركز إيوانا للتفاهم الثقافي – مقابلة أجريت عبر ايميل باللغة العربية.

 

بداية، هل يمكنك أن تحدثنا عن نفسك وعن فنك وماذا يعني لك الفن؟

قبل كل شيء، أريد أن أشكرك لإجراء هذه المقابلة وتحياتي لأعضاء مركز إيوانا ولقارئين هذه السطور

بالمختصر عن نفسي… أنا أيهم جبر من سورية الماضي وسورية الحاضر، أنحدر من عائلة فنية عريقة في مجال التلفزيون والدراما العربية.

مجال عملي الرئيسي هو التصميم الإعلاني والتصوير الفوتوغرافي والفيديوغرافي والمونتاج (التحرير المرئي). لذلك فن الكولاج بالنسبة لي كان عبارة عن بحث تعبيري أو محاولة فنية تعبيرية.

بعض الأعمال يمكن أن تكون كما نقول عشوائية المعنى، والكثير من الأعمال تتحدث عن فكرة او أفكار أو تخيلات أو حتى تمرد على الواقع مثل مشروع “ممارسة الصحو” الذي هو أيضا إهداء مني للفنان كولز فيليبس  و “سفر التكوين 27-1” و “دمشق تحت الحصار” و “راجاز- خيال البدو” الخ.

أعتقد أن الفن هو تلك الموجة الساكنة بداخل كل نفس بشرية التي تبدأ بالإهتزاز بفعل فاعل. 

مثال على ذلك لاعب كرة القدم البرازيلي “رونالدينيو” مجرد مشاهدته يتلاعب بالكرة بين قدميه على أرض الملعب ستشعر بتلك الموجة بداخلك. الشاعر نزار قباني بمفرداته وكلماته فقط. الكاتب سعد الله ونوس. 

الفن ليس حكر للموسيقى والرسم.  

 

هل يمكنك أن تصف لنا، كفنان يعيش في دمشق، سوريا، يوم في حياتك؟

الآن في عام 2023 من يعيش داخل سورية هم المكافحين للاستمرار بالحياة. وانا لست باختلاف عن الجميع حتى لو كان عملي بالفن فهناك التضخم الاقتصادي المنهك للشعب والدولة، هناك الحصار الاقتصادي الغربي اللاإنساني المفروض على الشعب، العجز الإداري، والأحداث المؤسفة التي تحدث كل يوم في منطقتنا العربية مثل اخواننا في فلسطين المحتلة  وما يحدث الآن من أحداث مؤسفة في قطاع غزة من قبل المحتل.

جميع هذه العناوين وغيرها الكثير سيؤثر حتما بحياتنا. لا أعتقد أن عشقي لعزف الجيتار او محاولاتي اليومية لإنهاء نص سيناريو لفيلم او عمل درامي أو إدماني للقراءة ومشاهدة الأفلام والمسلسلات هما أشياء مثيرة للاهتمام لأي قارئ فهناك أبرياء تقصف كل ساعة في كل يوم في مكان ما لابد من فعل شيء ما لإيقاف كل هذا الجنون.

كولاجات أيهم جبر

لديك مجموعة مذهلة ورائعة من الأعمال الفنية، تحمل عناوين مثل “دمشق تحت الحصار” و”تناغم الحياة” و”الحلم الرجعي”. تعطي بعض أعمالك إحساساً غريباً بالديستوبيا، بينما يبدو البعض الآخر وكأنه يعبر عن الفرح والأمل. بعضها تصور أحداثاً دنيوية وعادية تصبح مميزة في محيطها السريالي، بينما يربط البعض الآخر سريالية الخيال بسريالية الحرب والدمار.

كيف اخترتَ تقنية الكولاج لصنع الفن؟

في عام 2016 كما أذكر وكانت الحرب الأهلية بالوكالة على أشدها وخاصة في المناطق القريبة من مكان سكني مع عائلتي. حجر منزلي يبدأ من المساء لفجر اليوم التالي. قصف من قبل المتطرفين وقصف مقابل من الجيش السوري ونحن في المنتصف.

لذلك كان بقائي في المنزل لفترات طويلة دافعا للمحاولة بالانشغال بشيء ما عن الحرب فكان اختياري لتقنية الكولاج مناسبا وخاصة أنني أملك الكثير من نسخ مجلة ناشيونال جيوغرافيك بعضها يعود الأعوام السبعين.

العديد من أعمالك كولاجاتك تضع العالم أو الأرض في محيط الفضاء الخارجي، أو تجلب الفضاء الخارجي إلى العالم. هل ممكن تشارك القصة التي ترويها من خلال الجمع بين هذين العالمين الخارجي والأرضي؟

هذا صحيح هناك دائما حدث ما إما على الأرض أو في الفضاء أو الاثنان معا. هذا التأمل في الكون وسحره للعين البشرية هو موجود منذ الأزل لكنه بلا معنى للأسف. لا أقول هنا أنه موضوع غير مهم بالعكس هو مهم للتقدم الفكري والمعرفي.

في كولاجاتك تقوم أيضاً بالجمع بين مراجع ثقافية ومشاهد من عالم غرب آسيا، وسوريا على وجه الخصوص، ومراجع ثقافية ومشاهد من أجزاء أخرى من العالم، مثل أفريقيا والغرب. هل يمكن أن تحدثنا عن فكرة الجمع بين هذه المراجع الثقافية المختلفة؟

التحول من النظر للأعلى إلى النظر أفقيا. أتمنى يوما ما أن أقوم بفحص الدِنا (DNA) خاصتي أريد أن أعلم  كم الأعراق التي أنتمي لها… نحنا كلنا مرتبطين بشكل أو بآخر.

افلام ايهم جبر

لقد أخرجتَ العديد من الأفلام، منها: “إناء“، و”إطار“، و”الشاعر والبجعة“، و”العدوى“. تم ترشيح هذا الفيلم الأخير لجائزتين.

كيف حدث انك اصبحت تحرج أفلام وكيف هي صناعة الأفلام في دمشق؟

أؤمن أن هذا هو هدفي وشغفي في الحياة، صناعة الفكرة وأحرر ما كتبته وصورته.

عند قراري بمحاولة الدمج بين المجالات المهنية التي هي من اختصاصي من التصوير والتحرير والتصميم المرئي، كان الاختصاص الوحيد الذي ينقصني هو كتابة النصوص. فوسائل تعبيري كانت صورية أكثر مما هي كتابية أو استخدام الحروف. 

لذلك أشكر الشبكة العنكبوتية لاحتوائها عدد هائل من كتب (الكتابة الإبداعية) التي من المستحيل الحصول عليها بشكل ورقي. ثم بدأت القصة.

صناعة الفن في سورية بشكل عام هي حالة فردية أكثر مما هي مؤسساتية، وهذا الشيء الصحيح والطبيعي أعتقد. وكل الفن… فن. لست هنا للتقييم فالفن لا يقيم، وبما أننا شعب منفتح على جميع العالم فهناك تنوع غني للفن والفنانين.

في معظم أفلامك تدور أحداث الفيلم في مساحة محصورة لغرفة. كيف ترى دور الفضاء/ المكان في أفلامك؟

المسبب الرئيسي لاختياري أصعب وسيلة للتعبير الدرامي من خلال مساحة واحدة أو غرفة واحدة هو طبعا ميزانية العمل المادية التي بشكل أو بأخر تجبر أي كاتب نص على التقيد بها.

أريد أن أخبرك عن قصة، وهي قصة حقيقية حدثت في دمشق، عن امرأة كانت تقوم بجمع القمامة التي تتكدس في بالقريب من منزلها وتعيد بهم لمنزلها. وقد كانت ملتزمة بهذا الفعل طوال سنين حتى بعد أن احترق منزلها بسبب أكياس النايلون وأشياء أخرى مجهولة. هذه الامرأة كانت ملهمة لي لأكتب عنها فيلم بعنوان (الأعقاب). كما نرى أن الحدث بكل أركانه هو بين جدران منزل لامرأة وحيدة. 

الشاعر والبجعة” هو فيلم سريالي يشبه الحلم تدور أحداثه في عالم ما بعد ثورة سوداء، فيه ممنوع التفكير والشعور. الفيلم يجعل المشاهد يفكر في العلاقة بين الواقع والخيال. وفي فيلمك “إناء” نرى فنان حرفي يصنع منحوتات خشبية، بينما نسمع في الخلفية فنانين مختلفين يتحدثون، من بين أمور أخرى، عن معنى أن تكون فناناً.

ما هو بالنسبة لك دور الفنان وماذا يعني أن تكون فنانًا؟

أعتقد أن دور الفنان هو تحويل أي شيء يقوم به  من شيء اعتيادي إلى متعة لعين الناظر مهما كانت مهنته او ما يقوم به من عمل. لذا الفن يدخل في جميع المهن حتي الهندسة فهناك المهندسة الفنانة زها حديد على سبيل المثال.

فيلمك القصير  “إطار” يبدأ بالجملة التالية:

رؤية الأشياء من خلال العديد من الإطارات 

يمّكنك منظوراً أوسع، وقدرة على فهم المزيد 

من طريقة تفكير الآخرين،

فالكثير من هذه الإطارات صحيح وشرعي …

هل يمكنك توضيح هذه الفكرة؟

هل سأكون وقحا إن قلت أنني أرى بالمناضل (تشي جيفارا) أنه أيضا من المرتزقة الإرهابيين المسلحين؟

الإطاران صحيحان بالطبع. لا أقصد الإهانة طبعا لمحبين تشي ولكن رؤية الأشياء من خلال العديد من الإطارات يمنحنا منظورا أوسع بالطبع.

هل تعتقد أن للفن دور في تنمية أو تعزيز التفاهم الثقافي بين الناس من مختلف الثقافات والبلدان؟

لنتحدث إذا عن الدراما التركية المدبلجة للغة السورية. هل عالجت الأزمة التي تعيشها سورية؟ أو هل استطاع الشعب التركي تغيير سياسة حكومته تجاه سورية؟ وتركيا سبب رئيس بإشعال حربها واستمرارها. وهناك نيتفلكس التي اعتمدت الدبلجة باللغة السورية وهي كمؤسسة ممنوع عليها أن تقدم خدماتها في سورية أو حتى إنشاء حساب مستخدم عليها من داخل سورية. الواقع مازال كما هو بالرغم من كل أشكال الفن.

هناك استخدام واستغلال للثقافات والبلدان عن طريق الفن ليس لهدف التنمية بل للمصلحة والفائدة الشخصية.

يُظهر فيلمك “العدوى” مزيجاً رائعاً من المسرح والرقص وإخراج الأفلام. هل يمكنك أن تخبرنا المزيد عن هذا الفيلم، وكيف خرج إلى حيز الوجود، وكيف كان العمل مع ممثلين آخرين؟

الدمج بين عوالم الفن هو اهتمام كبير في داخلي، هناك المسرح وهناك السينما والدمج بينهما كان شيء مثير بالنسبة لي. لذا كان ترشيح الفيلم لجائزة أفضل عمل جديد في مهرجان كليماكس في إسبانيا في العام 2022، بالإضافة إلى ترشيحها لجائزة أفضل دراما في مهرجان الفيلم البديل (ALTFF) في كندا في نفس العام، شيء مشرف بالنسبة لكل فريق العمل. 

العمل مع فنانين آخرين وفي مجالات مختلفة لتحقيق هدف واحد وهو خدمة العمل الذي نقوم به هو أفضل تجربة بالنسبة لي على كافة الأصعدة.

كسؤال أخير، هل هناك أي شيء تود مشاركته مع قارئ هذه المقابلة؟

في الحقيقة نعم. من فترة قصيرة انتهيت من قراءته كتاب (عن الذاكرة والموت) وخاصة قسم (رحلة في مجاهل موت عابر)

للكاتب سعد الله ونوس… أتمنى من الجميع قرائته.

شكراً أيهم، على مشاركة أعمالك الفنية وأفكارك.

شكرا لك ولكل هذه الأسئلة التي نقلتني من واقع صامت بفعل السياسة لعالم صاخب وممتع بفعل العقل.

يمكنكم أن تجدوا مزيد من المعلومات حول أيهم جبر على موقعه، ومتابعه على الانستغرام: @ayhamjabr أو التواصل معه عبر البريد الإلكتروني: ayhamjabr[at]gmail.com

مقالة افتتاحية: تقديم مؤسسة إيوانا للتفاهم الثقافي

في صيف عام 2022، وجدت نفسي أتجول في ألمانيا مع مجموعة من العراقيين من أجل مشروع يتعلق بتعزيز السلام والحوار عندما التقيت علي بخت وحسام فلاح. خلال أيامنا معاً، تحدثنا عن العديد من الموضوعات؛ الحوار والسلام والثقافة والفنون، وكل ذلك أثناء السير في مدينة برلين الرمزية.

إنشاء مؤسسة إيوانا

هذه المحادثة حفزتنا على إنشاء مؤسسة إيوانا للتفاهم الثقافي. فمجرد العودة إلى بغداد وبروكسل، بدأنا أنا وعلي في بتبادل الأفكار حول رؤية وأهداف المؤسسة. لم يمض وقت طويل قبل انضمام الأعضاء المؤسسين الآخرين: وفؤاد عطية، المحلل السياسي والانثروبولوجي، ولورا بنّان-فيشر، شابة محترفة في مجال أبحاث السلام والنزاعات.

استقر رأي الفريق على إيوانا اسماً للمؤسسة، وهو اختصار باللغة الإنجليزية يشير إلى أوروبا وغرب آسيا وشمال إفريقيا. اما في معظم لغات غرب آسيا وشمال إفريقيا فيشير إلى “الإيوان”، شكل معماري تقليدي الذي تم تطويره في بلاد ما بين النهرين ويتواجد في معظم المباني ذات طابع المحلي والديني كما اضيف ايضاً إلى المباني المعاصرة في جميع أنحاء المنطقة وهو مكان للتجمع الاجتماعي. وهذا بالضبط هو الدور الذي تهدف إليه مؤسسة إيوانا: أن تكون منصة لتبادل الأفكار ومناقشتها.

أهمية الثقافة

شخصياً، أنا مهتمة بالقضايا الثقافية منذ سنوات عديدة. بالإضافة إلى كوني فنانة تشكيلية، قمت ايضاً بالترجمة من الأدب العربي إلى اللغة الهولندية والكتابة في مدونتي الشخصية حول قضايا اجتماعية وثقافية في أوروبا والدول ذات الأغلبية العربية. لقد وجدت أن الانخراط مع الثقافات الأخرى زاد بشكل كبير من وعيي بنفسي وبالعالم الذي أعيش فيه. وبالنسبة لي، كان لا مفر من أن يتحول شغفي بالموضوع في مرحلة ما إلى مؤسسة.

كنت محظوظة بالتعرف على أشخاص متشابهين في التفكير والذين أصبحوا الأعضاء الأوائل في إيوانا. كفريق واحد، نعتقد أن الفهم الثقافي يحتل دوراً مركزياً في التنمية البشرية وبامكانه أن يعزز دمج مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة في الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. لذلك، نستخدم تعريفاً واسعاً للثقافة، مما يسمح بنهج متعدد التخصصات يربط المجال الثقافي بالمجال السياسي والاجتماعي والأمني والاقتصادي وغيرها.

بالمقابل، نرى ان قوة التبادل الثقافي هي في قدرته على زيادة الوعي التفاهم. علاوة على ذلك، يسمح التبادل الثقافي بإغناء التجارب. وهو ضروري أيضاً لدراسة القضايا ذات الاهتمام المشترك مثل التدهور البيئي، والاقتصادات المستدامة، والهجرة، والتعليم، وتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان. كما أنها أداة مفيدة في معالجة العوائق أمام تحسين العلاقات والتفاهم بين الشعوب من مختلف المناطق.

تصوير منطقة (إيوانا)

ينصب تركيز مؤسستنا إيوانا على تنمية التفاهم الثقافي فيما نسميه (منطقة إيوانا)، أيّ منطقة أوروبا وغرب آسيا وشمال إفريقيا. نعتقد أنه على الرغم من وجود مبادرات تركز على التبادل الثقافي بين هذه المناطق، إلا أن قيمتها لم تُستكشف بشكل كافٍ إذ لا يزال هناك سوء تفاهم في التصورات المتبادلة. وبالتالي فإننا نهدف إلى إعطاء الأولوية للنقاش وتبادل الآراء حول الجوانب الاجتماعية والمادية والعقلية للثقافة التي لم يتم تسليط الضوء عليها بشكل كافٍ في المجتمعات المعنية.

يقع مقر الفريق المؤسس في هولندا وبلجيكا وألمانيا والعراق في الوقت نفسه. وهذا يجعل مؤسسة إيوانا استثنائية حيث تمتد ملكية المؤسسة من أوروبا إلى غرب آسيا. نعتقد أن هذه المبادرة والملكية المشتركة لمؤسسة إيوانا تسمح بمعالجة قضايا التفاهم الثقافي بشكل مناسب.

المدونة

ما بدأ محادثة بسيطة على متن قطار في ألمانيا، تحولت لتصبح مؤسسة. هذه المدونة هي أول مبادرة لمؤسسة إيوانا، وهي عبارة عن منصة لمواصلة المحادثة معكم حول الموضوعات المرتبطة بالتفاهم والتبادل االثقافي في منطقة (إيوانا). ونرحب بمجموعة متنوعة من المساهمات: من الشهادات الشخصية إلى المقالات البحثية، وهي مقالات ما بين ال٧٠٠ و٩٠٠ كلمة، ومن الأفلام الوثائقية القصيرة إلى المقالات المصورة. يمكن كتابة المقالات بلغات مختلفة، لكنها ستظهر في هذه المدونة باللغتين الإنجليزية والعربية.

أدناه قائمة ببعض الأمثلة للموضوعات التي تهتم مؤسسة إيوانا بمعالجتها. ومع ذلك، فإن هذه القائمة ليست شاملة:

  • حرية التعبير الثقافي؛
  • الثقافة والحوار؛

  • الثقافة والقضايا الجنسانية الجندرية؛

  • الفنون الراقية والثقافة الشعبية؛

  • التاريخ والتقاليد والتراث الثقافي؛

  • اللغة واللهجات؛

  • الهجرة والتنقل؛

  • حقوق الأقليات ومشاركة الأقليات في صنع القرار؛

  • التنوع والتعددية والتعايش الثقافي؛

  • التصورات المتبادلة؛

  • الدين والحوار الديني؛

  • الخطاب الإعلامي؛

  • العنصرية والصور النمطية؛

  • التقاطع بين الثقافة وتغير المناخ / التدهور البيئي؛

  • القطاع الثقافي والشراكات بين القطاعات.

  • التقاطع بين الثقافة والتنمية والأمن؛

  • التقنيات الرقمية والتبادل الثقافية؛

  • الذاكرة الثقافية؛

  • ثقافة الشتات والجاليات؛

لا  تترددوا في إرسال البريد إلكتروني إلى info@ewanacenter.org إذا كانت لديكم أي أسئلة أو اهتماماً بالمساهمة. أتطلع للقائكم!

نتطلع إلى التعرف عليكم!